Third Sector Portal
رئيس التحرير
تقوم علاقة مؤسسات القطاع الثالث بالمجتمع على أساس جوهري لا يمكن فصله عن طبيعة هذا القطاع ودوره، فهي علاقة وجود وتأثير متبادل، تتجاوز حدود البرامج والأنشطة لتلامس جوهر الاستدامة ذاتها. فمهما تنوعت مجالات العمل واختلفت الأهداف، تبقى المشاركة المجتمعية العامل الحاسم الذي يحدد قدرة هذه المؤسسات على الاستمرار والنمو. وفي مجتمع يتميز بتعدد ثقافاته وتنوع مكوناته السكانية، كما هو الحال في دولة الإمارات، تصبح فاعلية استراتيجيات إشراك المجتمع هي الفيصل بين مبادرات محدودة الأثر، ونماذج تنموية مستدامة وقادرة على التكيف.
وتبدأ أولى خطوات النجاح في استقطاب المجتمع من داخل هياكل مؤسسات القطاع الثالث نفسها، عبر إشراك الأفراد في مواقع التأثير وصنع القرار. فتنويع عضوية مجالس الإدارة، وضم ممثلين عن مختلف فئات المجتمع، من مواطنين ومقيمين، ورواد أعمال، وخبراء في المجالات ذات الصلة، يعزز من شرعية المؤسسة المجتمعية، ويجعلها أكثر قربًا من الواقع الذي تعمل فيه. ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع مبادرات وطنية مبتكرة تشجع التميز المجتمعي، وتكرّم الجهود المؤثرة، وتدعم المشاريع ذات الأثر المستدام، بما يسهم في ترسيخ ثقافة العطاء والابتكار الاجتماعي، ويدفع مختلف القطاعات إلى التفاعل الإيجابي مع قضايا التنمية.
وفي السياق ذاته، تمثل البرامج التطوعية أحد أهم أدوات تعزيز المشاركة المجتمعية، نظرًا للدور المحوري الذي يلعبه المتطوعون في دعم مؤسسات القطاع الثالث حول العالم. وتوفر هذه البرامج فرصة حقيقية لتقليل التكاليف التشغيلية، وتعزيز الارتباط المجتمعي، والاستفادة من الخبرات والمهارات المتنوعة، لا سيما في مجالات التطوير والابتكار والتحول الرقمي. ويعكس الواقع الإماراتي بيئة داعمة بقوة لهذا التوجه، حيث تشير المؤشرات الدولية إلى تقدم الدولة عالميًا في مجال التطوع، بما يعكس توفر بنية تحتية متينة، ومستوى عالٍ من الدعم المجتمعي، واعتبار التطوع جزءًا أصيلًا من منظومة التنمية المستدامة.
ويظهر هذا الدعم جليًا في مستوى الحوافز والعوائد المرتبطة بالعمل التطوعي، والتي تعكس حرص الدولة على توفير بيئة جاذبة ومحفزة، سواء من خلال التقدير الرسمي أو الامتيازات المختلفة، إضافة إلى التوظيف الفاعل للتكنولوجيا في تنظيم وإدارة العمل التطوعي، وهو ما يسهم في توسيع نطاق المشاركة وزيادة كفاءتها.
ورغم هذا التقدم، تظل مشاركة الوافدين في العمل التطوعي مجالًا مفتوحًا للتطوير، بما يحمله من فرص لتعزيز قاعدة المتطوعين وتوسيع الموارد البشرية المتاحة لمؤسسات القطاع الثالث. فتعميق اندماج هذه الفئة في المبادرات المجتمعية من شأنه أن يضاعف الأثر الاجتماعي، ويعزز التماسك بين مكونات المجتمع المختلفة. وفي المقابل، يعكس ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية التطوع درجة عالية من التقدير لدور المتطوعين، وما يقدمه العمل التطوعي من قيمة مضافة للتنمية الشاملة.
وإلى جانب التطوع التقليدي، تبرز نماذج مبتكرة لتعزيز المشاركة المجتمعية، من بينها توظيف الخدمة المجتمعية كبديل للعقوبات البسيطة. ويقوم هذا النموذج على إتاحة الفرصة للأفراد الذين ارتكبوا مخالفات محدودة لخدمة المجتمع بدلًا من الغرامات أو العقوبات الأخرى، بما يعزز روح المسؤولية المدنية ويحول الإجراء القانوني إلى أداة إصلاح اجتماعي ذات أثر إيجابي.
وفي هذا الإطار، يمكن لمؤسسات القطاع الثالث أن تكون شريكًا فاعلًا في استيعاب هذه الفئة، من خلال إشراكهم في مبادرات تعليمية، أو برامج الاستدامة البيئية، أو الفعاليات المجتمعية المختلفة. ويحقق هذا النهج فوائد متبادلة، إذ يوفر للمؤسسات موارد بشرية إضافية تدعم تنفيذ برامجها، وفي الوقت ذاته يتيح للمشاركين فرصة حقيقية للإسهام الإيجابي في المجتمع، بما يعزز قيم الانتماء والمسؤولية، ويدعم استدامة القطاع الثالث على المدى البعيد.